أبي هلال العسكري
438
الصناعتين ، الكتابة والشعر
الفصل الثّانى في ذكر المقاطع والقول في الفصل والوصل البلاغة معرفة الفصل والوصل قيل للفارسي : ما البلاغة ؟ فقال : معرفة الفصل من الوصل . وقال المأمون لبعضهم : من أبلغ الناس ؟ فقال : من قرّب الأمر البعيد المتناول ، والصّعب الدرك بالألفاظ اليسيرة ، قال : ما عدل سهمك عن الغرض . ولكن البليغ من كان كلامه في مقدار حاجته ، ولا يجيل الفكرة في اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ ، ولا يكره المعاني على إنزالها في غير منازلها ، ولا يتعمّد الغريب الوحشىّ ، ولا الساقط السّوقىّ ؛ فإن البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلئ بلا نظام . وقال أبو العباس السفاح لكاتبه : قف عند مقاطع الكلام وحدوده ؛ وإيّاك أن تخلط المرعىّ بالهمل « 1 » . ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل . وقال الأحنف بن قيس : ما رأيت رجلا تكلّم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام ، ولا عرف حدوده إلا عمرو بن العاص رضى اللّه عنه ، كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام ، وأعطى حقّ المقام ، وغاص في استخراج المعنى بألطف مخرج ؛ حتى كان يقف عند المقطع وقوفا يحول بينه وبين تبيعته من الألفاظ ، وكان كثيرا ما ينشد : إذا ما بدا فوق المنابر قائلا * أصاب بما يومى إليه المقاتلا ولا أعرف فصلا في كلام منثور أحسن مما أخبرنا به أبو أحمد ، قال : حدثنا الصّولى ، قال : حدثنا محمد بن زكريا ، قال : حدثني العتبى عن أبيه ، قال : كان شبيب ابن شبّة يوما قاعدا بباب المهدى ، فأقبل عبد الصمد بن الفضل الرّقاشىّ ، فلما رآه قال : أتاكم واللّه كليم الناس . فلما جلس قال شبيب : تكلم يا أبا العباس ، فقال :
--> ( 1 ) أصله من المثل : « ليس المرعى كالهمل » ، والمرعى : الذي له راع ، والهمل : المتروك سدى .